الطفل العربي يبحث عن حقوقه
تشير معظم الدراسات الاجتماعية في سياق التنشئة للاطفال ان النمط السائد في مجال التنشئة الاجتماعية يتسم بقدر هائل من التسلط والقهر يدعمه نظام تعليمي قائم على الحفظ والتلقين ويضاف اليهما قصور ذاتي في دور الاعلام والمؤسسات الثقافية خصوصا في مجال التنمية البشرية عند الاطفال كما عند الكبار. وهذا التسلط والقهر مع نظام التعليم الأمامي أو التلقيني لا يسمح للاطفال بحرية تكوين الرأي وابدائه ويجعله يتعود الانقياد والامتثال للخارج دون اعمال القدرات العقلية الذاتية التي يتولد عنها المواقف الطليعية والمبادرة علاوة على ان التنشئة تلك تقتل روح الانطلاق والحيوية والمغامرة وحب الاكتشاف، بينما تنص الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل على وجوب تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية الى اقصى امكاناتها وتؤكد ديباجة الاتفاقية الى وجوب مراعاة التكامل والتناغم بين الجهود الساعية الى تحقيق هذا الهدف الا ان دراسات عديدة ومن بينها تحليل اوضاع الطفولة في الوطن العربي تفصح عن غياب هذا التكامل، وعلى الرغم من ان المادة 19 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تنص على وجوب اتخاذ الدول الاطراف جميع التدابير التشريعية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من جميع اشكال العنف والضرر والاساءة والاهمال والاستقلال بجميع اشكاله وصوه وعلى ان تشمل تدابير وبرامج للوقاية لتقديم الدعم للطفل واسرته الا اننا نجد في معظم الدول العربية قصورا وخللا في نظم الحماية الاجتماعية التي تبدأ من عدم تكامل السياسات في الاجهزة والمؤسسات التي تؤدي الى هذه النظم وتنتهي بالاختراقات الاجتماعية التي تتمثل في عدم الفهم للظواهر السلبية التي يتعرض لها الطفل مثل الانخراط في سوق العمل مبكرا والانحراف أو التعرض له. واذا وجدت سياسة لحماية الاطفال في قليل من الدول العربية فإن تلك السياسات تميل الى المعالجات الجزئية ويبدأ التدخل دائما بعد حدوث الظاهرة واستفحالها لعدم ادراكها أن تلك الظواهر السلبية من قبيل الاعراض التي تنبئ بحدوث مشكلات خطيرة ذات جذور اجتماعية واقتصادية وتربوية الامر الذي سيتوجب التصدي لها وعمل كل ما يمكن ان يكون وقاية من حدوث تلك الظواهر. ومما لا شك فيه ان سياسات الدولة ـ ان وجدت ـ لا تكفي في ظل عدم اهتمام اجتماعي بالطفولة والدور الحاسم الذي ستلعبه في صناعة المستقبل فلا شك ان احترام واعلاء حقوق الطفل يعتبر مؤشرا دقيقا للتنمية الاجتماعية لذا يتعين على متخذي القرار التركيز على الارتقاء بالنظرة المجتمعية تجاه الطفل والمرأة، ومن هنا تأتي اهمية تدريب الكوادر الاعلامية على حقوق الطفل وكيفية التعبير عنها بما يرسخ ثقافة احترام حقوق الطفل لدى الاسرة وفي المدرسة وجميع مؤسسات المجتمع، وعلى الرغم من وجود بعض المبادرات الهادفة في هذا المجال الا انه بصورة عامة يمكن اعتبار ما يقدم من مواد اعلامية موجهة سواء للطفل أو للاسرة أو المجتمع انها تخلو من الابتكار وتنمية الابداع لدى الاطفال وكذلك مشاركتهم واتاحة الفرصة للتعبير عن انفسهم، ولعله من الضروري في المرحلة القادمة ان تتبنى الاجهزة الاعلامية العربية قضايا الطفل من منظور الحق على النحو الذي سبق وقدمته الاتفاقية الدولية لحقوق الانسان وكذلك النظر في مضمون الرسالة الاعلامية ومدى تأثيرها في انقاذ هذه الحقوق حتى وان تطلب ذلك النظر في كيفية تناول المفاهيم الاسرية في اطار البرامج الاعلامية والتعرض بنظرة متعمقة للقضايا الاجتماعية التي تمثل تحديات حرجة لترسيخ حقوق الطفل في اوجه حياتنا اليومية ومنها على سبيل المثال قضية العنف داخل الاسرة أو التمييز بين الفتيان والفتيات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق