الأربعاء، 20 فبراير 2008

مشاكسات طوق الحمامة / ضعف التواصل بين الجنسين


مشاكسات طوق الحمامة / ضعف التواصل بين الجنسين



يعتبر كتاب (طوق الحمامة) لفقيه الأندلس أبن حزم من أوائل الكتب التي تناولت تحليل المشاعر العاطفية و مواقف العشاق و المحبين و يأتي الحديث فيه عن المرأة بوصفها طرفا أصيلا في هذه القضية ينظر إلى عواطفها بعين الاعتبار , و إذا كان كتاب أبن حزم يتخذ شكل السيرة الذاتية إلى أنه يعرض آراءه و رؤاه في صنوف التواصل بين الجنسين لا في موضوعة العشق و الحب فحسب بل أيضا في طرق الحوار و التواصل بحيث انه لم يعد مجرد دراسة في الحب و المحبين بل دراسة عن المجتمع الاندلسى و عن الحالة الاجتماعية فيه و حال المرأه وقتذاك و إذا كان موقف أبن حزم من المر أه يشوبه الشك و الريبة كنتيجة محصلة لتربيته بين أصناف من النسوة ولدوا لديه بتصرفاتهن ومؤامراتهن الخوف والشك و الريبة غير أنه يتجرد من ذلك في كثير من الاحيان و يبدى رأيا تحليليا مبنى على التأمل و الدراسة في التراكم المعرفي و المعتقدى و فى الغرائز الإنسانية وايا ما كان أمر أبن حزم و كتابه العظيم (طوق الحمامة ) فإن هناك منهجان لا ثالث لهما يتحكمان فى رصد و دراسة التواصل بين الجنسين , المنهج الأول : الخوف الغريزي تجاة الأنثى وهو نفسي يحيلنا إلى أعماق نفسية يستوجب الاستدلال عليها من خلال أدوات التحليل أو السبر النفسي المعروفة , و المنهج الثاني : بحثي تحليلي يستوجب البحث المعرفي فى التاريخ الإنساني و المقولات الفكرية و المعتقدات المتوارثة و ينتشر هذا المنهج فى أوساط المشتغلين بالفكر و الفلسفة و الشعراء و يبقى هذا المنهج أفضل من منهج التحليل أو السبر النفسي لصعوبة الأخير و عدم وضوحه , و رغم ما أريق من حبر فى هذة الإشكالية الإنسانية العميقة ظل ضعف التواصل بين الجنسين ينشر ظلاله بين أكثر من ( 90 % ) من العلاقات ذكر/ أنثى أو رجل /امرأة فالمواقف التي تنتجها الحوارات أو اللقاءات بين الجنسين دائما ما تكون متوترة مرتبكة تقع تحت وطأة الخوف من الخروج عن النص أو الوقوع فى المحظور , عالم النفس الفرنسي ( بيير دكوا ) يؤكد على وجود نوعين من الخوف تجاه الأنثى يلازمان الرجل ويجعلانه يحس أو يشعر بالتهديد عندما يحتك بالمرأة مما يدل على وجود خلل ما فى العلاقة بين الرجل و المرأة يحد من أمكانية تواصلهما العفوي كموجودين انسانيين من المفترض أن تكون المشاعر الايجابية التي تجمعهما أكثر مكانة من تلك المخاوف الغريزية التي تتبدى جلية كلما اجتمعا , النوع الأول من هذا الخوف ذاتي يشعر به غير القادرين على التواصل لعيب ذاتي يكمن فى الثقافة أو التربية و النوع الثاني يكمن فى خلل بيلوجى , ويقول أن الارتباك الذي يصيب الرجل فى حضور الأنثى قد نجد تفسيره فى مجموعة التوقعات غير السارة التي تسيطر على عقل الرجل قد تكون بسبب تجارب ماضية مع نساء يظهرن فى مواقفهن انواعا من السلوك تشيع القلق و تدفع إلى مواقف حرجة تنال من الشخصية الذكورية و قد تكون من نظرات النساء التي تحمل أكثر من معنى تربك الرجل و تشتت أفكاره و تشعره بالعجز على حسم الحوار أو اللقاء لصالحه و يجمع أطباء النفس على إن معظم الرجال يتخذون مواقف متباينة فى حوارهم مع النساء خصوصا الفاتنات الشابات فمنهم من يكون عدوانيا يبادر بالهجوم و منهم من يكون محتقرا أو متباهيا أو فرحا أو فاتنا.. و يؤكد كل الأطباء على إن كل تلك الحالات مزيفة تأتى نتيجة لخوف غريزي يتضح فى الارتباك و التوتر و ربما التشنج .
أما علماء البحث المعرفي المعتقدى و الموروث الثقافي التاريخي يعزون عدم وجود علاقات طبيعية منسجمة بين الجنسين الى منظومة من المقولات التي نظمت العلاقة بينهما و جعلت لكل منهم ( كومونة ) فيها من الامتيازات و الحقوق و التصنيفات والاحكام, أنها مجموع الأمثال و الحكم المتبادلة التي تلصق بالمرأة صفات العجز و الخداع و الكذب و تصنفها فى مرتبة أدنى من الناحيتين الأخلاقية و الوجدانية و هذة المقولات القديمة دائما ما يعيد المجتمع إنتاجها فى صيغ جديدة مع بقاء مضمونها كما يقول الدكتور / هشام شرابي فى كتابه ( المجتمع البطريركى) وكذلك الدكتور مصطفى حجازي فى كتابه (الإنسان المقهور ) و يرى معظم المفكرين أن هذه المقولات تنتج مواقف الرجل من المرأة على أنها تفتقد الى المنطق والشعور الأخلاقي والقدرة على تمثل المفاهيم والمثل العليا ولا تمتلك حس المغامرة أو الرغبة فى ارتياد المجهول كما أن ذكائها المجرد ليس كما يجب لذلك فهي غير مؤهلة كطرف مستقل تماما فى الحوار ولهذا غالبا ما يمارس عليها ضروب من الفذلكات والحرتقات التي تهدف النيل من شخصيتها أو تحييدها دون القيام بأي محاولة جدية لاكتشاف ما تحملة المرأة من أفكار ومشاعر حقيقية تستدعى التواصل جديا معها .
ويمكن لنا تصنيف المواقف الذكورية مع حضور الأنثى إلى موقفين الأول هدفة السيطرة عليها من خلال أتباع وسائل هجومية تهكمية أو قاسية أو متعالية والثاني هدفة إغوائها وتملقها وكيل المديح والثناء عليها ومحاولة كسب إعجابها بأي طريقة كالمرح واللطف والتفاخر وكلها طرق تلتف على الحوار وتنسج خيوط واهية من التواصل المزيف الذي يفتقد إلى العمق ، أن المبادرة فى كل ذلك بيد الرجل ومن الطبيعي أن يكون لكل من الموقفين دورة فى تعطيل التواصل الإنساني الطبيعي وإيقافة عند حدود لا تسمح للمرأة للتعبير عن ذاتها لتبقى فى حالة عطالة ذهنية أو تظل أسيرة لردود فعل الرجل و أفكاره و هواجسه , ورغم مرور التجربة الإنسانية بمراحل التحرر المادي إلا أنها لم تتطرق بعد إلى ذلك المستوى من العلائق الإنسانية الخالصة.... فهل سيأتي يوم يتواصل فية الذكر والأنثى مجردين من الإسقاطات الاجتماعية ذكورية أبوية كانت أو معتقدية غيبية تحت ثنائية رجل كامل/ امرأة ناقصة ........... هل سيأتي ذلك اليوم ؟؟

ليست هناك تعليقات: