حول
مفهوم المقدس وتأثيراته على حياتنا
لقد جَرت فى الآونة الأخِيرة نِقاشات مَحمومَة
وسِيجال لم ينقطِع الى الأن ضَجِيجَهُ حَولَ بعض كُتب التُراث الإسْلامِى و مَدى قُدسِيتها
الكبير عِند رِجال الدين حتى أنهُم إعْتَبروا بعضها كَكِتاب صَحِيح البُخارى
أصحُ كِتاب بعد القرآن الكريم على الرغمِ من بَشريَة جامِعُوه إلا أن صَحِيح البُخارى
ظلَ يحْتَفِظ بقداسته وكلُ من تَعَرض له نالَهُ مانالَهْ المُنْكِر للدين الاسلامى..
ولتفسير ظاهرة تنامِى تَعْمِيم المُقَدَسَات كان لِزَاماً علينا تناول المُقدس كفكرةٍ
ظاهراتية من البداية...
.
من الأفْكارِ المُهمة التى يقوم عليها كل
دين فكرة القداسة أو الاحترام او الإجلال التى يعلقها الانسان على بعض الأشخاص او الأمكنة او الأشياء المادية والمُقدس
هو كل ما لا يُمكن تلويثه او تدنيسه ،ومن هنا ياتى معنى المُقدس وكذلك المعنى المضاد
الرجيم والملعون بالقياس الى غير المقدس (الدنس) والمقدس له طابع من القوة الغامضة
التى تجذب أحيانا وتنفر أحيانا وقد تكون فى أحيان أخرى تجذب وتنفر معا .
معنى المقدس فى اللغة : مُقدَّس: اسم مفعول من قدَّسَ / قدَّسَ
لـ شيء مبارك يبعث في النّفس احترامًا وهيبة أي معظم ومحرم و مُقَدِّسُ الْحُرُمَاتِ
، الْمُنَزِّهُ الْمُقَدِّسُ : الرَّاهِبُ
مَقدِس: (اسم) فِي الْمَقْدِسِ : فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
: حَرَمُ القُدْسِ الشَّرِيفِ ، مَدِينَةُ القُدْسِ
لقد إرتبطت فكرة المقدس عند الشعوب البدائية بالطوطم اى تقديس
حيوان معين رمز للجماعة أسرة كانت او قبيلة او عشيرة او حتى دولة كبرى .
والمقدس هو ما يثير فى النفوس الرهبة والخوف
والإحترام والخشوع أيضا الذى يبعدنا عنه ويرغبنا فيه فى نفس الوقت وهو يأتى من مجموعة من المشاعر المختلطة والمرتبطة
ما بين الاندهاش والرغبة والإنجذاب والفضول والتحفظ والقلق والفزع والخوف مما يجعلنا
نحبه ولا نجرؤ تناوله او تعاطيه فى نفس الوقت
كمشاعرالطفل الذى أمام النار يخاف ان تحرقه لكنه يرغب فى الامساك بشعلة منها
دائما وهو نفس الشعور الذى يحسه الانسان امام الشئ الممنوع اعتقادا فى الاقتراب منه
يعطى له قوة ورهبة او قد يجرحه اويقتله فى
حالة الفشل
.
فالمقدس هو كل ما يحظى بالاحترام بشكل مطلق
و كل ماهو غير قابل للهتك او الخرق و لا يجوز الاعتداء عليه
وينسحب معنى المقدس على صور متعددة حيث
نجده فى حب الوطن الذى يوصف بالحب المقدس ويصل
الى علم الوطن الذى يحمل رمزا يشير الى طوطم مثل الصقر او النسر او الاسد او النجوم
او الهلال وايضا يصل المقدس الى المبادئ .
والمقدس كمبدأ لايسمح بالحديث عنة ولا يحق
مناقشته ويكون عقبة أمام التفكير الإنسانى الحر الخلاق حيث تكون المقدسات محرمات لاينبغى
الاقتراب منها و ذلك مثل الثالوث التقليدى عند المجتمع العربى وربما مجتمعات الشرق
الاوسط المتمثل فى الله و الحاكم و المرأة اى تحريم الحديث فى الدين و السياسة و الجنس
و هى المواضيع الحساسة التى لا ينبغى الاقتراب منها وربما تكون محصنة بالقانون
الجنائى، وتشغل فى نفس الوقت تفكير كل الأدمغة فى الخفاء وهذا الموقف يحدد خاصية أساسية للمقدس هى تلك الإزدواجية التى تظهر فى المنع و الرغبة.
وكلمة تقديس اذا ما اضيفت الى شئ غير مقدس
تضفى عليه طابعا قدسيا بغض النظر عما سيعطيه له الانسان بعد ذلك من قيمة فى حين ان
الشئ المقدس حين يفقد خاصية القداسة يفقدها
للأبد .
لقد شغل المقدس بشكل عام وبشكل خاص المقولات
الدينية والإجتاعية المقدسة اهتمام علماء الاجتماع
وعلماء النفس والفلاسفة و حتى يكتمل المعنى نتناول المقدس فى الفلسفة وعلم الاجتماع
.
أ – المقدس فى الفلسفة:
لقد اهتم المعاصرون من الفلاسفة وكان الفلاسفة
الالمان اكثر الفلاسفة تناول للمقدس بحيث اصبح
المقدس والقداسة قيمة اساسية تضاف الى قيم الحق الخير والجمال و صار المقدس جزءا اساسيا
من ابحاث علم القيم (الاكسيولوجيا) (1) خاصة
لدى شيلر ماخر و أوتو فى كتابه عن المقدس ، واكدوا على قيمة القداسة وإعتبروها نمطا خاصا متميزا من القيم
وهى فى نفس الوقت اتجاه نحو القيم الاخرى
ولقد اعتبرها الفيلسوف الامريكى هوكنج مزيجا للحق والخير والجمال و وظيفتها المحافظة
علي هذه القيم ولقد إختصر الفيلسوف الروسى
برديائيف المقدس فى الحرية فقط
.
غير ان هناك من الفلاسة من اعتبر المقدس
اشد المعوقات امام الانسان فى تطوره وحريته
كالكاتب ومؤرخ الأديان والفيلسوف الروماني
ميرسيا إلياد مؤلف كتاب المقدس والعادى حيث
قال : إن الإنسان يصنع ذاته بذاته ولايستطيع أن يصنعها تماما إلا بقدر سلخ القداسة
عن ذاته وعن العالم فالمقدس هو العقبة الاولى التى تعترض حريته
ميرسيا إلياد من علماء الميثولوجى الذين
طبقوا منهج الفينومينولوجى فى العلم الإنسانى، بمعنى إنه يدرس المقدس والدين بوصفهما ظاهرة لها معنى ودلالة فى
حد ذاتها، أى بوصفهما "ماهية" لا بوصفهما ناتج عن ظروف اجتماعية وسياسية
ونفسيه. أما المذاهب الأخرى غير الفينومينولوجى فإنها تتناول الأسباب والعوامل التى
تجلى فى سياقها المقدس والدين .
ب
– المقدس فى علم الإجتماع
:
اهتم رجال علم الاجتماع الدينى بتوضيح فكرة المقدس وتتبع نشأتها ومصدرها سواء أكان الطوطم
أم فكرة المانا (القوة) ، كذلك توضيح موضوعات
التقديس الذى قد يتعلق بشخص ما أو مكان أو أشياء مادية مثل تقديس الوالى الحاكم او
رئيس القبيلة او البطل او الكنيسة المسجد او
الامكنة التى يحج اليها الناس مقدسة كذلك ويضاف ايضا تقديم القرابين والأضاحى فهى فى
مقدمة الطقوس المقدسة
ويلاحظ ان هناك إستقلالا تاما فى مسألة
تقديس الاشخاص والأخلاق فليس هناك علاقة بين الشخص المقدس دينيا والاخلاق فالبطل اليونانى هرقل كان يقوم بجرائم
بشعة لكنه قدس لقوته كذلك كبيرالكهنة اليونانية زيوس كان مزواجاً لعوباً
مخادعاً فى صورة العامة وينسحب ذلك على أنبياء بنى اسرائيل مخربين ارهابيين
قتلة ومع ذلك قدسوا ومازالوا يقدسون الى اليوم وفى كل الديانات الإبراهيمية.
وهنا نلاحظ ان المانا اى القوة هى مصدر
هذا الشأن من التقديس..غير ان قداسة الشخص
فى كثير من الامم والديانات ترتبط بقدرته على
التنبؤ بالاشياء المستقبلية ولا تقف قداسته عند حياته بل تمتد الى ما بعد مماته وقد
يصل التقديس الى ادواته واشيائه وقد يلتمس المرضى الشفاء بلمسها او لمس جسده ان كان
حيا او قبره ان كان ميتا ولقد شاعت تلك الطقوس
فى الاديان كلها بما فيها الاسلام فلقد تبنت
بعض الفرق الدينية هذه الفكرة وتوسعت فيها
بشكل مضاد للدين الاصلى الذى خرجت منه وصدق ابو العتاهية حين قال :
كَفى حُزناً بدفنك ثُم إنِى.. نَفَضْتُ
تُرَابَ دَفْنِك من يَدَيا
وكانت فى حَيَاتِك لِى عِظَات.. وأنْتَ
اليَوم أَوُعَظٌ مِنْكَ حَيا
والغرابة كل الغرابة انه وفى الديانة الهندوكية ذات الطابع
الأخلاقى كانت ممارسة الجنس مع بعض البغايا
الذين اختيروا فى المعبد تعد عملا مقدسا كما
كان يختار رجالا شواذ جنسيا وفق طقوس معينة
وكان اللواط محرما الا مع هؤلاء
والقداسة شملت ايضا المكان ففى جميع الاديان هناك اماكن مقدسة
وهى التى يعبد فيها الإله مثل القدس ومكة والمدينة
وبيت لحم و جبل موسى حتى أبار المياه منها ماهو مقدس كما بئر موسى وبئر زمزم وكذلك
الانهار مثل نهر النيل عند قدماء المصريين ونهراليانج عند الهنود ومازالت المياه المقدسة
للتعميد عند المسيحية
وينبغى مراعاة بعض الطقوس أمام هذه المقدسات ففى كل دين نجد امثلة لا حصر لها للمصير المشؤوم المحتوم الذى ينتظر كل شخص يتقدم
الى هذه الاشياء المقدسة بدون مراعاة الشكليات اللازمة فالشخص الذى كان يقترب من القبو العبرى المقدس
مثلا كان مصيره الموت المؤكد وبالعكس نجد ان زيارة هذه الاماكن مفيدة جدا لمن يعرفون
هذه الشكليات .
ومعناه التحول الى قديسtabu
المحرم
والفعل منهاtabouلقد إرتبطت فكرة القداسة بفكرة التابو
وقد أكد دور كايم فى كتابه (الاشكال البدائية
للحياة الدينية) على اهمية مفهوم المقدس فى تفسير الظواهر الدينية واعتبره المفهوم
الاساسى لهذه الظاهرة وقد اوضح دور كايم التعارض
بين المقدس والدنس وهو تعارض بين عالمين غير متجانسين بشكل جذرى وداخل المقدس نفسه هناك ثنائية تجعل الكلمة تنطبق
على الطاهر والملعون معا فالتحريم والاباحة على درجة واحدة من عدم الاعتراض على حسب رأى دور كايم .
ج - مدلول المقدس : غير ان مفهوم المقدس التي نعنيه هنا، نجده يحمل
أحد مدلولين، وربما حمل مداليل أخرى أيضاً، وهذان المدلولان هما
الأول: العصيان على الفهم، فالأمر المقدّس أو
القدسي هو الأمر الذي لا نفهمه ولا نعيه وعياً عقلانياً في بُنيته الداخلية، وإن كان
أصل وجوده قد ثبت لدينا بدليل عقلي وطبق تصوّرات عقلانية، فمثلاً (الله) أمرٌ مقدّس،
بمعنى أننا لا نفهمه ولا ندرك ذاته ولا كُنهه، نعم نحن استطعنا أن نتعقّل مبدأ وجوده
عبر معطيات عقلانية، سيقت على نهج البراهين الفلسفية أو الكلامية أو.. هذا اللون من
الأشياء تسمّى مقدّسات في الوعي الديني، ومن الطبيعي أنه ليس كل شيء لا نفهمه هو مقدّس،
بل من أبرز ميزات المقدّس أو الأوصاف التي تلتصق كثيراً به هو وصف التعالي عن الفهم،
وإلاّ فقد نعرف أنّ الشمس موجودة لكننا لا ندرك تكوينها وعناصرها و.. لكنّ هذا لا يصيّرها
ـ لوحده ـ مقدّسةً؛ لأنّ معرفتنا هنا لا تجعل وعيها أمراً صعباً، أقرب إلى المستحيل.
الثاني: التعالي عن النقد، ومعنى ذلك أنّ المقدّس
في الدائرة الدينية لا يمكن نقده أو إبطال معطياته، سواء استطعنا وعيها لكنها لم تقنعنا،
أو أننا لم نعيها وندركها إدراكاً عقلانياً من الأول، فإذا قال النبي – ـ مثلاً ـ
: عليكم إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم، فهذا أمرٌ قد لا نعي مبرراته، ولا نفهم طبيعته،
ولهذا لا مجال للحديث عن قناعتنا بصوابية هذا الوجوب والإلزام أو عدمها؛ لأن المفروض
أن المعطيات التي برّرت هذا الوجوب لم تتضح لنا بعدُ، كي نحكم عليها بأنها صائبة أو
غير صائبة، وعلى الخط عينه، أن يخبرنا النبي بأنه رأى العرش، ولا نعي نحن ما هو العرش
وعياً عقلانياً، ففي هذه الحالات علينا التصديق والتسليم (وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)،
هذا ما يجعل النبي مقدّساً في الدين، أي أنّه يتعالى ـ في قوله وسلوكه ـ عن النقد؛
فلا يمكننا نقده حتى لو لم نقتنع قناعةً عقلانية بما يقول، بل قناعتنا تنبع من كونه
مقدّساً، ولولا ذلك لما اقتنعنا.
هذه من أبرز الصفات
التي قد تلاصق ـ عادةً ـ المقدّس خاصة في دائرة الدين
من هنا، يمتاز مفهوم المقدّس عن مفهوم المحتَرَم؛ فإن الاحترام غير التقديس؛ إذ بإمكانه دوماً أن يجامع إمكانية النقد وقدرة
الفهم، فأيّ دعوة لإدخال مقولٍ ما في دائرة المقدّس، لا تعني فقط الدعوة إلى احترامه،
بل تتخطّى ذلك إلى أمور زائدة وإضافية.
وهذا خطأ كثيراً
ما يحصل، فيتصوّر الذي يريد أن نحترم شخصاً ما أنّ إعلانه مقدّساً دينياً معناه الدعوة
لاحترامه، مع أن هذا الإعلان ينطوي على ما هو أزيد، كما أن من يلغي أو يدعو إلى إلغاء
قداسةٍ ما، قد يُتصوّر كلامُه دعوةً إلى إسقاط الحرمة والاحترام، وإلى هتك الأمور وتسّيبها،
وكلاهما خاطئ، فالدعوة إلى إسقاط قداسة شيء ما لا تعني سوى جعله في دائرة النقد من
جهة، وفي إطار الوعي العقلاني، بحيث يخضع للعقلانية البشرية لتحكم عليه سلباً أو إيجاباً،
هنا أو هناك، وفقاً لما تراه من أسس علمية صحيحة، من جهة أخرى.
والذي يحصل في
الحياة الدينية هو توسعة المقدّس وتعميم القداسة على أشياء أو مفاهيم أو أفراد أو
كُتب ليست في الدين مقدّسةً، أو قد نختلف
في قدسيّتها فيه أو في غيره، وسأقدّم نماذج لعملية تعميم التقديس، في الوسط الديني
المحافظ
يعمّم الوسط الديني
المحافظ مفهومَ القداسة أحياناً إلى أشخاص ليسوا مقدّسين أو يجعلهم مقدّسين حكماً وإن
لم يكونوا مقدّسين حقيقةً عنده، فمثلاً علماء الدين القدامى أو مراجع الدين، ينظر بعض
الناس إليهم بوصفهم مقدّسين يتعالون عن النقد، مع أنّه لا دليل ـ حتى ديني ـ يؤكّد
ذلك فيهم، فإن الأدلةّ التي دلّت على لزوم التقليد، لا تعطي سوى رجوع الرجل الجاهل
في شيء إلى الرجل العالم به، ولا يعني ذلك أنه لا إمكانية لنقد الجاهل للعالم أو لفهمه
بغض النظر عن الصواب والخطأ، وأحياناً يحصل أن لا يُجعل هؤلاء مقدّسون أبداً، وإنما
تكون هناك عملية ربط بينهم وبين مصالح الدين العليا (وربما بمنظور سياسى محض )، مما
يعقّد من ممارسة حقّ النقد وإعمال العقل، فمثلاً قد يُقال لك: لا مانع من نقد هذا العالم
الكبير فلان الفلاني، لكنك إذا كتبت مقالةً في صحيفة وعنوانها: (نقد تجربة المرجع…)
جرى تصوير ذلك في غيرصالح و صلاح حال الدين، فيمنع هذا الأمر لهذا السبب، وهذا وإن
لم يكن تقديساً حقيقياً، لكنه من الناحية العملية درجةٌ من التقديس الذي يعقّد أيّ
حركة نقدية، مع أنّ النقد علمي وهادئ وأمين.
هذا هو التقديس
العملي أو التقديس الحُكمي غير الحقيقي، وأمثلته قد لا تعدّ ولا تحصى، إنّ هذا الربط
بين كتابٍ ما وبين الدين، أو بين شخص ما وبين الدين، أو بين جهةٍ ما وبين الدين، قد
يثقل كاهل الدين ويعقّد آليات التعامل مع هذا الكتاب أو الشخص أو الجهة، لقد تصوّر
كثيرٌ من أهل السنّة أن نقد صحيح البخاري سيؤدي إلى هدم الدين، فكانوا يمنعون ذلك
وذلك من زمن وليس حديثا كما قد يتوهم البعض أو نتيجة للتأثر بالنظريات العلمانية
الحديثة وهذا المنع منعاً اجتماعياً ومنعا مؤسساتياً فتحوّل هذا الكتاب إلى مقدّس عملي
يصعب نقده والتعاطي العقلاني معه، وليس هو سوى كتاب لشخص كانت له قناعاته وأدواته
وآلياته فى التحصيل والإستنتاج والتدوين فى دائرة معارف زمانه ومكانه وعصره، وربما
اعتمد مناهج وآساليب في التعاطي مع الروايات لم نعد نؤمن بها اليوم والسنة مع صحيح
البخارى ليسوا وحدهم فهكذا الحال في بعض الأوساط
الشيعية المحدودة مع مثل كتاب (بحار الأنوار) للمجلسي .
وخلاصة القول
ان يبلغ الأمر أن يفهم احتمالك لأمرٍ سلبي في هذا الرجل العالم أو ذاك إهانةً له، فعندما
تقول: لعلّ بعض المرجعيات الدينية تصدر فتاوى تكفيرية لتحمي نفسها من النقد، فإنّ هذا
يعدّ إهانةً حتى لو كان بصيغة لعلّ..لعلَ !! ، وكان موجّهاً للبعض الذي هو مهملٌ في
الجملة ..!!، مع أنه لا يُقصد بهذه الجملة إطلاقاً أيّ إهانةٍ أو تجريح لمراجع الدين،
والعياذ بالله..!!.
أكثر من ذلك، عندما
يطلّ الإنسان في حركة رصد مواقف العلماء، على مواقفهم من بعضهم البعض، ونقدهم اللاذع
لبعضهم البعض، ثم يريد أن يجعل ذلك منطلقاً لعدم غرابة النقد العلمى ، فهو متداول في
أوساط العلماء، بل قد يكون قاسياً جداً أحياناً، نجد أن هناك تصويراً يخرج من
المؤسسات الدينية ومن بعض رجال الدين يقول: هؤلاء علماء فيحقّ لهم أن يقولوا ما قالوا،
وهم أدرى وأعرف، لكن لا يصحّ جعلها سيرةً وسنّة بيد الناس !، وهذا هو عينه أحد أبعاد التقديس، أي إنّ هؤلاء
يحقّ لهم ونحن لايحق لنا لأننا أقل من ذلك المقام ورؤوسنا أصغر من تلك العمائم، هكذا
وعلى طريقة : قَتل سيدنا يزيد سيدنا الحسين بن علي.. المجنى
عليه سيدنا والجانى سيدنا أيضا.
هذه النماذج التي
نعتقد أنها خاطئة، لا تضمن سلامة وضع المؤسّسة الدينية، إنما الذي يضمنها أن تعتاد
المؤسّسة المذكورة على حياة النقد، وتعمل ضمن مناخه، ففي حياتنا رأينا حركات إسلامية
اعتبرت نهاية الدين في وجود حريّة نقد الدين في المجتمع، لكننا رأينا أيضاً حركات إسلامية
فاعلة جداً نمت وترعرعت وتأقلمت ونجحت وانتصرت وبهرت العالم في مناخ تعدّدي نقدي لا
توجد فيه مثل هذه الأمور، وفي ظل مجتمع منفتح، فهي النفسُ ما عوّدتها تتعود .
إن المهم هنا هو
قيمة الفكر وكلامنا هنا في ساحة الفكر والثقافة والمعرفة ودرجة معطياته، سواء كان ضعيفاً أو قوياً، ونحاكم
المعرفة ـ ولو كانت ذات شكل معرفي ـ بمعرفة مقابلة ذات أدوات معرفية بكل ما تحمل المعرفة
من قيم ومعايير عقلية و أخلاقية.
أعتقد أنه بهذا
السبيل نرقى بمعرفتنا وعلمنا ومؤسّساتنا الفكرية والدينية إلى شكل أكثر حضاريةً وأقلّ
مأساويةً ممّا نشهده اليوم من سيجال يتصاعد الى التنابز والتكفير على الهوية......
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا
سَلاَما) لقمان: 63
________________________
: Axiologie(1)
علم
القيم (
(1
هو العلم الذي يدرس المثل العليا والقيم المطلقة ومدى إرتباطها بالعلم
وخصائص التفكير العلمى بإعتبار المعرفة العلمية واحدة من أهم فاعليات النشاط الإنسانى
وأرقاها. وهو أحد المحاور الرئيسية الثلاث في الفلسفة (و هي مبحث الوجود/الانطولوجيا,
ومبحث المعرفة/الإبيستيمولوجيا, ومبحث القيم/الأكسيولوجيا). و المراد به البحث في طبيعة
القيم و أصنافها و معاييرها